الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

70

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأمر ، ولكن عاقبة وعقبى . وقد خصّص الاستعمال لفظ العاقبة بآخرة الأمر الحسنة ، قال الراغب : العاقبة والعقبى يختصّان بالثّواب نحو وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] ، وبالإضافة قد يستعمل في العقوبة نحو ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى [ الروم : 10 ] وقلّ من نبّه على هذا ، وهو من تدقيقه ، وشواهده في القرآن كثيرة . والدّار الموضع الّذي يحلّ به النّاس من أرض أو بناء ، وتقدّم آنفا عند قوله تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ [ الأنعام : 127 ] ، وتعريف الدّار هنا تعريف الجنس . فيجوز أن يكون لفظ الدَّارِ مطلقا ، على المعنى الحقيقي ، فإضافة عاقِبَةُ إلى الدَّارِ إضافة حقيقية ، أي حسن الإخارة الحاصل في الدّار ، وهي الفوز بالدّار ، والفلج في النّزاع عليها ، تشبيها بما كان العرب يتنازعون على المنازل والمراعي ، وبذلك يكون قوله : مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ استعارة تمثيلية مكنية ، شبّهت حالة المؤمنين الفائزين في عملهم ، مع حالة المشركين ، بحالة الغالب على امتلاك دار عدوّه ، وطوي المركّب الدالّ على الهيئة المشبّه بها ، ورمز إليه بذكر ما هو من روادفه ، وهو عاقِبَةُ الدَّارِ ، فإنّ التّمثيليّة تكون مصرّحة ، وتكون مكنية ، وإن لم يقسّموها إليهما ، لكنّه تقسيم لا محيص منه . ويجوز أن تكون الدَّارِ مستعارة للحالة الّتي استقرّ فيها أحد ، تشبيها للحالة بالمكان في الاحتواء ، فتكون إضافة عاقبة إلى الدار إضافة بيانية ، أي العاقبة الحسنى الّتي هي حاله ، فيكون الكلام استعارة مصرّحة . ومن محاسنها هنا : أنّها بنت على استعارة المكانة للحالة في قوله : اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ فصار المعنى : اعملوا في داركم ما أنتم عاملون فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار . وفي الكلام مع ذلك إيماء إلى أنّ عاقبة تلك الدار ، أي بلد مكة ، أن تكون للمسلمين ، كقوله تعالى : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء : 105 ] وقد فسّر قوله : مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ بغير هذا المعنى . وقرأ الجمهور : مَنْ تَكُونُ - بتاء فوقيّة - وقرأه حمزة ، والكسائي ، بتحتيّة ، لأنّ تأنيث عاقبة غير حقيقي ، فلمّا وقع فاعلا ظاهرا فيجوز فيه أن يقرن بعلامة التّأنيث وبدونها . وجملة : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تذييل للوعيد يتنزّل منزلة التّعليل ، أي لأنّه لا يفلح الظّالمون ، ستكون عقبى الدار للمسلمين ، لا لكم ، لأنّكم ظالمون .